ضريبةُ شاهد

لِم لا توجد أحزمة مقاعدَ على مَتْن القطار؟ هل السبب أنه يُعتبر أقلَّ خطورةً من الطائرة؟ لكن سرعة القطار قد تصل إلى ثلاثمئة كيلومتر في الساعة، ليس من الطبيعي لشخص أن يكونَ داخل مُجسَّمٍ حديدي يسير بهذه السرعة ولا يوجد ضمان يُثبِّتُه كالمِسمار في مقعده. بالإضافةِ إلى ذلك، فإنَّ السيارة تسير بسرعةٍ أقلَّ من الطائرة والقطار بكثير، وتُعتبر أهمية الحزامِ فيها أكبر منهما جميعًا. هل وجود الحزام في السيارة مُرتبط بأنَّ احتماليةَ الحوادث للسيارات أكبر؟ تبقى هناك في القطار دومًا احتماليةُ سقوطِ طائرةٍ عليه، أو هجومِ سيارةٍ انتحاريةٍ عليه، أو اصطدامِه بقطارٍ آخر بسبب تحويل مسار سكة الحديد من طرف مُفكِّرٍ أرادَ تطبيقَ “مُعضِلة القطار” حرفيًا. عند حدوثِ أي من الاحتمالاتِ السابقة، سأشعرُ بقليلٍ من الأمان لو كنتُ أرتدي حزامًا وقتَها.

وسط تفكيري في هذه التساؤلاتِ الدموية، برَقَتْ في مُخيلتي مشاهدٌ أرعبَتْني، جسدي كاملاً مُغطى بالدماء! شعرتُ بلُزوجَة الدماء تُغطي ثوبي الأبيضَ الفَضْفاضَ. أرى بُقعَتَها على ساعتي، والذي أزعجني اتساخها أكثر من اتساخ الثوب، نظرًا لأنها هدية من أمي. الغريب في هذه الرؤية أنني كِدتُ أتجمَّد بالرغمِ من أنني مُغطىً بالدماء. تجمَّدَ وجهي مع ذِراعَيَّ وأصابعي وفقدتُ الإحساسَ بأصابعي، بينما بَقِيَتْ ساقايَ دافئتَيْن كما هما. ازدادَ رُعبي عندما أدركتُ أنني مُغطىً بالدماء في مقعد القطار الذي أجلسُ عليه الآن! هل سألقى حَتْفي في هذه الرحلة؟! هل ستسقطُ فعلاً طائرة علينا أو يصدمُنا قطار آخر؟!

أفقتُ من هذه الرؤية الغريبة وعدتُ بوعيي إلى العربةِ المُكتظَّةِ بالمسافرين المُتوجِّهين إلى المدينة المنورة. بدأتُ أُطَمْئِن نفسي بأنَّ ما رأيتُه مجردُ هلوسةٍ أَتَتْني بسببِ تفكيري غيرِ المُجْدي حول حزام الأمان اللعين، مع مزيجِ وجبة “المعصوب” التي أثقلت نفسي بها على الغداء، رغمَ تحذيراتِ أمي بأنَّ وجبةً ثقيلةً قبلَ رحلةِ سَفَر ليست قرارًا حكيمًا. شَرَعْتُ أُقلِّبُ بصري حولي في العربة. عادتي السيئة في التأخر بالحجز لطالما أجبرَتْني على الرِضا بمقعدٍ على الممرِّ بدلاً من النافذة. ظلَّ الهواءُ الذي ينفُثُ في أُذُني بسببِ المسافرينَ والمُضيفينَ المارِّينَ على يميني يقطعُ خيطَ أفكاري حولَ تساؤلاتي المُثيرة.

وصلت المُضيفة إلينا ووجَّهَتْ سؤالَها إليَّ أولاً: “بغيت شيء أستاذي؟” نعم أريدُ شيئًا، عدا حزام أمانٍ يربطُني بهذا المقعد، بعضٌ من الماءِ سيساعدُ في إطفاءِ النارِ في صدري. أردتُ الطلبَ لكن تملَّكني التوتر، بالرغمِ من حقي المشروع في الطلب. أجبتُ بغريزتي في هذه المواقف، مُرتدياً ابتسامةَ اللُطفِ والخجل: “لا شكرًا، يُعطيكِ العافية”.

حوَّلَتْ نظرَها إلى المسافر على يساري دونَ ردِّ الابتسامة، يا للاستفزاز! ندمتُ وتمنيتُ لو أنني طلبتُ مشروبًا كان سيُجبرُها على العملِ بضِعفِ معدَّلِها المُعتاد. قالَ المسافر: “عصير بطيخ”. أزعجني طلبُه، فعَدا سُهولة صُنعِه من المُضيفة -التي أتمنى لها الشر حاليًا- وغرابةِ ذوقِه، فمَن هو الأحمق الذي يُطلِق عليه “بِطيخ” وليس “حَبَحَب”؟!

بالرغمِ من بساطةِ طلبِه، رَمَقَت المُضيفةُ الراكبَ بنظرةٍ كادَتْ أن تُمطِرَ بها برَصاصٍ على وجهه. يا للوَقاحة! حتى عندما رَحِمَها بثاني أبسطِ طلبٍ بعدَ زُجاجة الماء، لا تزالُ مُنزعجةً وناقدة! لا شكَّ أنها تطلَّعَتْ لعربةٍ كاملةٍ من الركابِ القانعينَ الذين سيردُّونَ على سؤالِها المُستثقَلِ بجُملةِ: “شكراً، يُعطيكِ العافيةَ” لتعودَ وتقضي باقي الرحلة على هاتفِها تتصفَّحُ ما أزعمُ أنه محتوى سطحي موجَّهٌ لضُحَلاءِ العقلِ الوَقِحين كحالِها، “فمعاذَ اللهِ أن يطلبَ أحدُ الركابِ أيَّ شيءٍ ويُجبرَني على ممارسةِ وظيفتي!”

استدارَتِ المُضيفةُ راجعةً لتجلب طلب الاحمق، عندما ارتطمَتْ ساقها بحقيبةِ المرأة الجالسةِ على مقعدِ الممرِّ أمامي. توقَّفَتِ المُضيفةُ ونظرَتْ للأسفلِ لرؤيةِ ما أسقطَتْه، ثم لاحظَتِ الحقيبةَ ورفعَتْ بصرَها إلى المرأةِ المُنشغِلة بالحديث مع الراكبةِ التي بجانبِها عن وصفتها لتحضير صبغة الشعر. لاحظَت المُضيفة أنَّ المرأةَ لم تَرَ ما جرى، وظنَّتْ أنَّ جريمَتَها لا شهودَ لها، فتجاهلَت الحقيبةَ واستدارَت مُكمِلةً طريقَها إلى عربة الطعام. ما هذا الجُنون! إلى أيِّ حدٍّ من الحَقارةِ تطمحُ هذه الفتاةُ للوصولِ إليه؟! بدأتُ أتخيَّلُ أنها تملكَ الجُرأةَ على قتلِ نفسٍ طالما أنها ملكَتِ الجُرأةَ لإرتكاب الفعل القبيح الذي رأيتُه أمامي للتوِّ!

حوَّلتُ بصري إلى الحقيبةِ التي صارَتْ في مُنتصَفِ الممرِّ، صارَ مكانُها عائقاً أكثرَ من قبل. مكانُها الحاليُّ يُشكِّلُ خطرًا حقيقيًا، فقد يتعثَّرُ بها أيُّ مارٍّ بسُهولة. راحَ عقلي أولاً لفكرةِ نُزولي من المقعدِ وإرجاعِ الحقيبةِ إلى مكانِها، مُتحلِّياً بأساسِ اللَباقةِ الذي تفتقدُه المُضيفة. لكن ماذا لو رآني شخصٌ أتسلَّلُ بيدي ببُطءٍ لتناولِ حقيبةِ امرأة؟ سيكونُ مَظهري مُريباً للغاية. هل أُخبرُها بأنَّ حقيبَتَها سقطَتْ على الأرضِ وشكَّلَتْ مَطباً مُفاجِئاً للركاب؟ يبدو أعقل خيار متاح.

هيا, الموضوعُ سهل. نَقْرةٌ خفيفة على مقعدِها، قاطعًا نِقاشَها السقيم حول طريقتها الخاصة في تحضير صبغة الشعر، ثم تخبرُها بنُقطةٍ أكثرَ أهمية. هيا، لِمَ التصلُّب؟ الموضوع في غايةِ السهولة، أيُّ طفل يستطيعُ فعلَه دونَ حاجةٍ للتفكير. افعلْ شيئاً أرجوك!

 قررتُ في النهاية أن أُبقيَ كلامي لنفسي وشؤونَ الناسِ للناس، نفسُ القرار الذي أتخذه في كلِّ مرة.

بَرَقَ في مُخيلتي المشهد الملعون مرةً أخرى، الدماء المثلجة تُغطيني! لكنني بدأت أرى مع الدماءِ البارِدة وجهَ المُضيفةِ الذي لم يبدُ بنفسِ البرودة هذه المرة. كان وجهُها شاحبًا وعيناها مُتسِعتان، وكأنها تقفُ أمام قتيل. للحظةٍ واحدة، استطعتُ النظرَ حولي ولاحظتُ الركابَ المذعورين، بما فيهم الراكبُ الأحمق على يساري. لكن ذُعرَه بدا وكأنه اختلطَ ببعضِ الاستياءِ ولم أعرفِ السبب.

عدتُ بوعيي إلى الوقتِ الحاليِّ، وجميعُ أطرافي ترتجف. صوَّبتُ نظري إلى الممرِّ مرةً أخرى ووجدتُ الحقيبة لا تزالُ تتوسطه. حاولتُ تمالُكَ أعصابي وذُعري. شَهيقٌ وزَفيرٌ ببُطء، ليست مُهمةً سهلة خُصوصاً مع امتلاءِ بَطْني بطبق “معصوب” دسم. هل يُعقَل أن تقتلَ هذه الحقيبةُ نفسًا؟! غيرُ مَعقول، أعنفُ ما قد يُسبِّبُه التعثُّرُ بحقيبةٍ في مكانٍ كهذا هو السقوطُ مع كَدْمةٍ في الرأس وإصابةٍ في الرُكبة. جسدي كاملاً مُغطىً بالدماء؟ كيف لحقيبةٍ جِلديةٍ صغيرة لامعة أن تفعلَ بنفسٍ ما قد تفعلُه طَلقةُ بُندقية؟!

وقفَ أحدُ الركاب في المقدمة ثم التفتَ ماشيًا تجاهي ذاهباً إلى دورةِ المياه، ثم طرأَت الفكرةُ المُرعبة في رأسي، سيتعثَّرُ بالحقيبة! بدأ يمشي الرجلُ الأربعيني ببُطءٍ مُركِّزاً بصرَه على هاتفِه غيرَ مُبالٍ بالعُقبةِ أمامَه. بالرغمِ من أنه يبعدُ أقلَّ من عشرةِ أمتارٍ عن الحقيبة، بدا وكأنَّ رحلتَه ستحتاجُ أياماً للوُصولِ إليها. تسارعَتْ دقاتُ قلبي حتى تيقَّنتُ أنها تجاوزَتْ سرعةَ خُطواتِ الرجل. اقتربَ من الحقيبةِ وبدأتُ أرى الدماءَ تُغطي ثوبي. ثم شعرتُ بالكلمات تبدأ تُحلِّقُ من شَفتيَّ: “انتبهْ!” لكن لم أقدرْ على نُطقِها. بإرادةِ ربي ولُطفِه عليَّ -ثم على الرجل- مشى الرجل من فوقِ الحقيبةِ دونَ التعثُّرِ بها أو حتى لَمسِها. تنفَّستُ الصُّعداءَ قليلاً، أولُ ضحيةٍ مُحتمَلةٍ ونجا من حقيبةِ الموت.

رؤيةُ نفسٍ على وشكِ توديعِها للدُنيا أرسلَتْ بعضَ الشجاعةِ إلى نفسي لإخبارِ الخَرقاء في المقعد الذي أمامي بقنبلتها الواقعةِ في نِصفِ الممر، فصبغة شَعرَها التي لا تزال تُثرثر عنها لن يفيدها عند وقوفها أمام قاضي بتهمة قتل. أخذتُ نَفسًا عميقًا وبدأتُ بتحميةِ صوتي وتحريكِ أطرافي المُرتجفة للوُقوف وإخبارِها. تصلَّبتُ في مكاني، حاولت دفعَ نفسي للتحرُّك على الأقل، دونَ جَدوى.

حاولتُ طَمأنةَ نفسي بأنها مُجردُ أوهامٍ نتيجةُ مُناقَشتي السخيفةِ مع ذاتي حولَ مُسبِّباتِ عدم وجود حزامِ أمانٍ في القطار، مَن التافه الذي يُفكِّرُ في موضوعٍ كهذا؟! ثبتُّ على قراري بتركِ أخطاء وأشغالِ الناسِ للناس، ثم بدأتُ أُحوِّلُ بصري في أرجاءِ العربة لأَنسى. نظرتُ إلى شاشةِ سرعةِ القطار المُعلَّقةِ في سقفِ العربة، وكان القطارُ يمشي بسرعةِ مئتي كيلومتر في الساعة. لماذا هذا البُطء؟ ليته يزيدُ السرعةَ ويُنهي الرحلةَ الملعونةَ هذه على خير. حوَّلتُ بصري إلى النافذةِ على يساري لأرى المنظر في الخارج لعله يكونُ أَلطفَ من الداخل، فَلم أجدْ غيرَ أراضٍ صفراءَ قاحِلةٍ لا تملكُ ذَرةَ حياة. دفعني هذا المنظرُ لإعادةِ بصري إلى الحقيبةِ والتفكير: لو قتلَت الحقيبةُ أحدًا، أفعلاً أحملُ الذنبَ على عاتقي؟ وما لي في هذا كلِّه، لا الحقيبةُ لي ولا أنا الوَقِحُ الذي أسقطَها وتركَها.

هل أحملُ ذنبَ هذه النفسِ بممارسةِ حقي فقط والتزامِ الصمت؟! المُضيفةُ التي أوقعَتِ الحقيبة هي مَن تتحمَّلُ الذنب! لكن كيف تتحمَّلُ ذنبَ موتِ نفسٍ من إسقاط حقيبةٍ بالخطأ؟ بالإضافة إلى أنَّ موضعَ الحقيبةِ الأصليَّ غير مُناسِب، فجانب المقعدِ على الممر ليس مكانًا لوضع الأغراض. بالضبط! صاحبةُ الحقيبة هي المُلامة! لكن كيف تتوقَّعُ هذا السيناريو المجنونَ بأنَّ وضعَ حقيبَتِها بجانبِ المقعد قد يكون مُتسبِّباً في فُقدانِ شخصٍ لحياتِه؟! صحيح أنا مَن أتحمَّلُ الذنب، فأنا الشخصُ الوحيد الذي أُنزِلَ عليه وَحي هذه المَذبَحةِ الغريبة! لكن كيف أتحمَّلُ مسؤوليةَ إنقاذِ نفسٍ من غباءِ ووَقاحةِ أشخاصٍ لا عَلاقةَ لهم بي؟!

نظرتُ إلى شاشةِ السرعة مرةً أخرى، ازدادَتِ السرعة إلى مئتين وخمسين كيلومترًا. الحمدلله، ليته يزيدها أكثرَ فتنتهي هذه الرحلة دون الحاجةِ للعب دور البطل. مع ازدياد سرعةِ القطار، ازدادَت سرعةُ نَبَضاتِ قلبي ولم أعرف السبب.

وقفَتْ راكبةٌ من مقعدِها، وتجمَّدَتْ أطرافي مع وُقوفِها. بدأَتْ بالمشي تُجاه الحقيبة! ماذا أفعل؟! تحرَّك وافعل شيئًا، أتُيتِّمُ أبناءَها لأنكَ لا تملك الجُرأة على فعلِ ما يقدرُ الطفلُ على فعلِه؟! أطرافي المُتجمِّدة ترتجفُ بعُنف، ولا أدري إن كان السببُ هو الذُّعر أم معرفتي ببرودةِ دماء المرأة الذي ستغطيني بعد لحظة. أكيد الضحيةُ امرأة، بعَباءَتِها البُنيةِ الطويلة وكَعبِها الأبيض غيرِ المُناسِب لرحلةِ سَفَر، وتركيز نظرِها على هاتفِها لا مُبالِيةً بأيِّ مخاطر قد تقع في طريقِها، لِمَ لا يُركِّزُ أيُّ أحدٍ في هذه الرحلةِ على طريقِه؟! قلبي يكادُ يخرج من صدري ليدفعَ الحقيبة عن الممر. تقتربُ المرأة، خُطوتانِ وتتعثَّرُ باللُغمِ المَزروعِ على الأرض. طرأ على بالي وجهُ الأحمق على يساري وهو يرى جسدي المُغطى بالدماء، لِمَ مُستاء ولستَ مذعوراً كالبَقية؟ لِمَ لمْ تهتزَّ مشاعرُكَ من الارتطامِ العنيف الذي ألبسَني الدماءَ كثوبي الأبيض؟ ولِمَ عصير “حَبَحَب” بالضبط؟!

رفعَت المرأةُ قَدَمَها اليُمنى وبدأَت خُطوَتَها الأخيرةَ التي ستقعُ على الحقيبةِ وتقتلُها. جاهدتُ نفسي لتحريكِ أطرافي والقَفزِ إليها وإنقاذِها، لكن مهما جاهدتُ يبقى جسدي مُتصلِّبًا. في آخرِ لحظةٍ، جمعتُ كلَّ ما أملكُه من شجاعةٍ وحرَّكتُ جِذعي ومددتُ يدي نحوَ الحقيبة، لكنَّ إطلاقَ شجاعتي راحَ هباءً مَنثوراً، فشجاعتي انطلقَتْ مُتأخِّرة.

تجاوزَت المرأة الحقيبة دونَ أن تتعثَّرَ بها، كلُّ ما حدثَ أنَّ قِطعةً معدِنيةً في سَحاب الحقيبة علِقَتْ بطرفِ عَباءَتِها للحظةٍ وسحبَت الحقيبةَ أقرب إلى مقعدي. عدتُ وسندتُ ظهري على المقعد مُتنفِّسًا الصُّعداء. نجَت النفسُ الثانية من القُنبلة التي باتَتْ على بُعدِ خُطوةٍ من قَدَمي. هيا حانَتْ فُرصتُك! مُدّ قَدَمَك وأبعِد الحقيبة عن الممر! شددتُ ساقي اليُمنى المُتصلِّبة لأُحرِّكَ الحقيبة، لكنها أَبَتِ التحرُّك. ماذا لو رآك أحدُ الركاب؟ أتريدُ أن تُعرَفَ بسارقِ حقائبِ النساء؟ حسناً لا تُحرِّكْها، افعلِ الأبسط وقُل للخَرقاء أمامَك التي لا تزالُ تتكلَّم عن صبغة الشعر أن تُحرِّكَ حقيبَتَها! بللتُ ريقي ورطَّبتُ شَفتيّ. هيا بِتُّ حافظاً الكلمات بعد كلِّ هذا التفكيرِ في الموضوعِ، كلُّ ما تبقى لكَ هو نُطقُها. تنحنحتُ وبدأتُ بنُطقِ أول حرف من الجُملة التي راجعتُها في رأسي ثلاثينَ مرة، لكن سُرعان ما أطبقتُ شَفتيّ وبلعتُ ريقي مع كل الشجاعة التي جمعتُها. بِتُّ غارقًاً في الخجل، حتى أراه يُغطيني أكثرَ من الدماء الباردة.

أصلاً ما هيَ فُرصةُ أنها طَوال هذه الفترة لم تُفكِّر بالتأكُّد من مكانِ حقيبَتِها، شاغًلا بالها وصفها لطريقة تحضير صبغة شعر لعجوز من الواضح أنها لا تكترث لخلطتها؟! وما هي فرصة أن الوصفة معقدة لدرجة أنها تحتاج كل هذا الشرح؟! هل هذا اختبار؟!

ظهرَتْ من الباب المُضيفة عائدةً مع عصيرِ “حَبَحَب” الأحمق بجانبي. برقَت الفكرة في رأسي أول ما رأيتُها، لا! أهي مَن ستُلاقي حَتفَها؟! أكملَت المسيرة تُجاهَنا، مُرتديةً على وجهِها نفسَ التعابير الباردة الوَقِحة. أعليَّ فعلاً مُساعدَتُها؟ فوُجود الحقيبة هنا خطؤُها من البداية، فلتتركْها تُواجِهْ أخطاءَها!

لكن أليس من القَسوة أن تموت من أجلِ إسقاطِها لحقيبةٍ لم تكنْ موضوعةً في مكانِها الصحيح؟ يجب أن أفعل شيئًا. بدأتُ بتحريك جسدي المَيت نحوَ الحقيبة لتحريكِها، لكن أول ما نويتُ هذا الفعل، تحرَّكَتْ أبصارُ جميع الركاب نحوي. باتَ الجميعُ يُحدِّقُ فيَّ جاحِظًا بأعيُنِه بتعابيرَ مَيتة. سطعَ اللونُ الأحمرُ وملأَ العربةَ، مُمتزِجاً بالبُرودة الصاعقة التي ثبَّتَتْني في مقعدي أقوى من حزامِ الأمانِ الذي رغِبتُ به. بِتُّ أرى قلبي يقفِزُ تِكرارًا من داخل صدري. اقتربَت المُضيفة من الحقيبة وأرى حبل المشنقة يُغطي عُنُقَها ويشُدُّ عليه, وبدا شكله مطابقًا لشكل شريط الحقيبة البنفسجي.  مرَّتْ المضيفة من تحت شاشةِ السرعة التي كانت تقول إنَّ سرعةَ القطار وصلَتْ إلى ثلاثمئة كيلومتر، مع أن اهتزاز العربة كان يُشعرُني بأنَّ السرعة ثلاثة آلاف كيلومتر. أرجوك، قلِّل السرعةَ فقلبي يكادُ ينفجر! باتَت المُضيفة على بُعد خُطوتين من الحقيبة. نظرتُ إلى الأحمق على يساري ورأيتُه يُحدِّقُ فيَّ مُرتدياً نفسَ تعابيرِ الاستياءِ في رُؤيتي. لِمَ لستَ مذعوراً؟! ولِمَ عصير “حَبَحَب” بالضبط؟!

رفعَت المُضيفةُ قَدَمَها التي علِمتُ أنها ستقع على اللُغم وتُحدِثُ الكارثة. أقفلتُ عينيَّ عن المشهدِ الدمويّ الذي سيحدث، وبدأتُ بالتضرُّعِ إلى ربي أن تحدثَ مُعجِزة وتنجو الفتاة، أو أن يغفِرَ لي جُبني عن إنقاذِها. سمعتُ صوتَ الانزلاق، ثم الارتطام، ثم غُسِلَ وجهي.

سمعتُ شَهَقاتِ الركاب حولي. أخذتُ لحظاتٍ لفتحِ عينيَّ، فلم أكنْ مُستعجِلاً لرؤيةِ المَجزرة. فتحتُ عينيَّ ببُطءٍ، لأرى الدماءَ تُغطي ثوبي. كانتِ الدماءُ مُثلَّجةً جمَّدَتْ عُروقَ وجهي. نظرتُ إلى الفتاةِ لأتفحَّصَ الجُثةَ، فوجدتُ وجهاً حياً لا تشوبُه شائبة، ينظرُ إليَّ بذُعر. خلفَها أرى جميعَ الركابِ ينظرونَ إليَّ بنفسِ الذُّعر. حوَّلتُ نظري إلى الأحمق على يساري ورأيتُه ينظرُ للدماءِ على ثوبي باستياء. كلُّ شيءٍ مِثلُ رُؤيتي بالضبطِ، ما الذي حدث؟

شعرتُ بشيءٍ صدمَني في رِجلي، نظرتُ للأسفل ووجدتُ كأسَ عصيرِ “الحَبَحَب” فارغًا. فهِمت! تنفَّستُ الصُّعداء وشعرتُ بقلبي عادَ لوضعِه الطبيعي. عادَتِ الشمسُ وأشرقَتْ في القطارِ مع نَسماتِ الهواءِ الحارِّ تُدغدِغُ خدي.

قاطعَ استيعابي صوتُ المُضيفةِ القائلةِ بنَبرةٍ مُرتعِدة: “أنتَ بخير أستاذي؟!”

نظرتُ إليها، وكأني استوعبت فجأةً جمالها، فالذُّعرُ أضاف الحياة لوجهَها الحِنطيَّ المُدوَّرَ المُتصلِّبَ سابقاً. صِرتُ أرى انعكاسَ وجهي الأحمر في عينيها العَسَليَّتين. ظللتُ أُحدِّقُ في وجهِها الفاتن للحظات، غيرَ منتبِهٍ لسؤالِها العذب الراقي حولَ سلامتي. كررَت سؤالها بصوتٍ أقلَّ رِعدة مع هزها لكتفي: “أستاذي؟”

قلتُ لها بعدَ نَفسٍ عميقٍ، مُرتدياً ابتسامةَ اللُطفِ والخجل: “شُكراً، يُعطيكِ العافيةَ”.

ردان على “ضريبةُ شاهد”

  1. الصورة الرمزية لـ هَمس
    هَمس

    لم أتوقع ذلك. ولم أكن لأتوقع ذلك!
    أولًا، لنبدأ بالمهم، ارتسمت ابتسامةً عريضةً على وجهي عند رؤيتي لمسمى “حبحب” يا الله! أخيرًا! شخص يرى الأمر بجدية إلى هذا الحد. كنت قد خضت نقاشات عبثية عدّة مع الأصدقاء بشأن مسمى الـ”بطيخ” أو كما أحب أن أسميه “حبحب”. من الجيد رؤية هذه الفكرة العابرة تعني شيء في قصة شخصٍ ما.

    ثانيًا، سؤال استفتاحي رائع وعلى الأغلب هذا ما سأفكر فيه على مدى الأيام القادمة. بالرغم من أني لا أعرف شيء عن صحة هذه المعلومة؛ فلم يسبق لي أن استقليت قطارًا.

    ثالثًا، رأيت مبالغة من المتحدث في الحكم على الأشخاص من حوله، يبدو غاضبًا لكن لا أعلم ما السبب. هل يُحتمل أنه غاضب من العالم بأكمله؟ أم أننا لا نريد التعمق لذلك سنقول أن هذا تأثير تخمة المعصوب فقط؟

    رابعًا، هناك تصعيد غير منطقي في القول بأن المضيفة يمكنها أن تقتل فقط لأنها لم تبتسم! لكن الأمر بدا مقبولًا لاحقًا عندما أدركت ما قد يمر به المتحدث، والرؤى المقلقة التي يراها بشكل متقطع. فالجميع حوله الآن قادر على القتل، حتى الحقيبة!

    أخيرًا، أوه! انسكب كوب عصير الحبحب! حمدًا لله، لا أضرار جانبية قاتلة من الشنطة.

    من أجمل القصص القصيرة التي قرأتها، تخيّلتها كفلم. سأشاهده بلا شك! ما خطر على بالي سِوى قدرة عقل الإنسان على تحريف المنظور والمحيط بشكل مخيف. هذا كله بفعل القلق، رأيت تصوير لمعاناة شخص قلِق. فهو يفكر بالفكرة، يتصوّرها، ينتظر حدوثها في أي لحظة. في النهاااااية، تتلاشى ولا تحدث فيُدرك أنها كانت مجرد فكرة، وأن كل شيء حوله كان انعكاس للفكرة ولم يكن الواقع. يا لَمُعجزة العقل!

    1. الصورة الرمزية لـ abdullah.albadrw@gmail.com

      ويغبطني بشكل كبير أنك لم تتوقع ذلك، ولم تكن لتتوقع ذلك! لا أعتبر مفاجأة القارئ على قمة أولوياتي، لكن تسعدني فكرة مخالفة التوقعات – بشكل إيجابي طبعًا – عندما تحدث بغير قصد.

      أولًا، كان ولا يزال اختلاف مسمى “الحبحب” أو “البطيخ” أو “الجح” محور نقاش مُثرٍ بالنسبة لي، فيسعدني أنك تشاركني الاهتمام ذاته حول هذا الجدل، بالرغم من أني – على عكس راوي قصتنا – لا أملك أي تحيزات تجاه أي من هذه المسميات.

      ثانيًا، سأترك لك اكتشاف حقيقة هذه المعلومة من عدمها، لكن أرجو ألا يدفعك الفضول إلى الركوب على متن قطار فقط للتحقق منها :}

      ثالثًا، أتفق معك في غلو حُكم الراوي على من حوله. أهي تطرفات فكرية يملكها ولا نعلم بها؟ أم ليس إلا تأثير وجبة “المعصوب” الثقيلة؟ لا أدري بكل صراحة، لكن من الأفضل له ألا يصرّح بتلك الأفكار للعامة.

      رابعًا، أتفق معك في أن حكم الراوي على البوصلة الأخلاقية لمن حوله يبدو مبالغًا فيه ودرامي، وقد يرتبط الأمر بالنقاط السابقة التي ذكرناها. لكن فعلًا، لا يبدو من الجنون تفهّم جانبه إلى حد ما بعد رؤية ما يدور في عقله والإحساس بضميره يحرقه خوفًا من أن يصير “شاهد” صامت.

      أخيرًا، صحيح أن الشنطة لم تُلحِق أضرارًا “قاتلة”، لكنها ألحقت أضرارًا بثوب الراوي الأنيق النظيف. من سيدفع تكاليف غسيله؟ المضيفة التي أسقطتها ولم تعدها إلى محلها؟ أم السيدة المحترمة التي تركت شنطتها في مكان غير مناسب؟ أم هل يجب أن تعود التكاليف على الراوي الذي لو تصرّف بشكل طبيعي – كتحريك الشنطة بنفسه أو إخبار السيدة – لم يكن العصير ليلمسه حتى؟ قد يختلف توجّه أصابع الاتهام، لكن لنتفق على أن تلطُّخ ثوب الراوي كان سيناريو ألطف بكثير من جميع السيناريوهات التي كانت تدور في مخيلته.

      تسعدني بشكل لا تتصوره قراءتك وتقييمك للقصة، بالإضافة إلى إطرائك ودعمك اللذين يعنيان لي الكثير. أتمنى يا صديقي ألا تكون آخر مرة أقرأ فيها تحليلك المُثري والمُلهِم :}

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *