“نص الطريق”

عبارة “نص الطريق” أستخدمها كثيرًا لبعث الطمأنينة في سريرة والدتي التي تسألني عن المسافة المتبقية لأصل إلى المنزل، أو والدي الذي يريد معرفة المسافة المتبقية في خط سفر، أو صديقي الغاضب من تأخري الشديد عن الموعد — عدا أنني في العادة أكون كاذبًا في المثال الأخير — فلِمَ لا تُبعث في سريرتي نفس الطمأنينة حين أقولها لنفسي أمام المرآة الآن؟ فقد بلغتُ اليوم سنَّ الخامسة والعشرين، الذي يعدُّه كثيرون نقطةَ منتصف الطريق أو “نص الطريق” لجملة من الأهداف التي رسموها لأنفسهم قبل بلوغ الثلاثين؛ فمن المفترض أن أشعر الآن بشيء من الثقة كوني قطعتُ نصف المسافة نحو الوصول، غير أن شعوري الحالي كأن يدًا عملاقة تناولت سيارتي في منتصف الطريق ورمتها إلى نقطة البداية، وكأني لم أخُض الرحلة قط.

لا أقدر على إخراج هذه العبارة من رأسي؛ فها أنا ذا أكتب هذه التدوينة في مقهى في يوم ميلادي، وبجانبي كوب قهوة سوداء ساخنة، وأعلم تمامًا أنها ذات العبارة التي سأقولها لوالدتي حين أخرج متوجهًا إلى البيت، وكل ما سيفعله قولها هو تذكيري بأني ربما أكون في منتصف الطريق في هذه الرحلة البسيطة إلى البيت، لكنني لا أزال في نقطة البداية في رحلة أشد قيمةً وأعظم شأنًا.

وما يزيدني استغرابًا من هذه العبارة هو… المعذرة، فاصل بسيط عن تدوينتي العقيمة؛ إذ شدَّ انتباهي ما بلغ من الغرابة حدًّا يستوجب ذكره هنا: دخل المقهى للتو رجل أكاد أُقسم أنه يشبهني أكثر مما أشبه نفسي، يا للعجب! فأنا في العادة لا أتفق مع تشبيه المُقربين لي بشخص عابر، أو مشهور على مواقع التواصل، لكنني قد أعدُّ هذا الشخص فعلًا أول من يشبهني إلى حد الغرابة. حتى ساعته تشبه ساعتي كثيرًا، غير أنها تبدو متسخة قليلًا، تلك قد تكون أول نقطة اختلاف واضحة بيننا. رآني أُحدِّق فيه! يا لحرجي؛ أكاد أجزم باستغرابه من ذلك الشاب المنزوي في زاوية المقهى الذي يُحدِّق في هيئته. سأوجِّه نظري نحو شاشة الحاسوب لأُوهمه أن الأمر مجرد مصادفة. سمعته يطلب كوب قهوة سوداء باردة، نقطة اختلاف ثانية؛ ينبغي لي أن أجمع نقاطًا أكثر حتى أطمئن نفسي بأن هذه ليست مؤامرة كونية لإرسال نسخة مني تواجهني في يوم ميلادي تحديدًا. صراحةً، بعد أن رآني، أظنه بات يتأمل هذه المصادفة العجيبة، أن يرى نسخة مطابقة له، حين لم تكن نيته سوى احتساء كوب قهوة باردة. حتى شعره في نوعه ولونه وطوله يشبه شعري! فما احتمال أن أصادف شبيهًا لي بهذه الدقة، في الوقت الذي اتخذت فيه قرارًا مفاجئًا — لأول مرة في حياتي — بإطالة شعري لأشهر عدة؟ أُدرك يا عزيزي أن ما يجري الآن يبدو كمشهد من وحي الخيال كُتب لإضافة حماس إلى التدوينة، لكن والله إنها الحقيقة. أعدت النظر إليه فوجدته لا يزال يطلب قهوته ويحادث الموظف.الحمد لله، انقشعت عني تلك اللحظة الغريبة التي كان من الممكن أن تنتهي بنسخة مني تأتي إلى طاولتي وتسألني لماذا أُحدِّق فيها.

كفى من هذا الفاصل الذي قد تراه سقيمًا يا عزيزي، ولنعد إلى موضوعنا. يعسر عليّ تفادي الأصوات الخفية التي تلومني على التقصير في تحقيق كل تلك الأهداف التي أقسمت على تحقيقها قبل حلول هذا اليوم، وأجد من المُزعج حقًا أن أصل إلى اليوم الذي تخيلت فيه أن أكون شخصًا مختلفًا كليَّ الاختلاف، فأجد نفسي فيه على الحال ذاتها التي كنت عليها حين رسمت تلك الأهداف قبل سنوات. ويزيد هذا الإزعاج اشتعالًا حين تقع عيناي على أمثلة ناجحة من حولي؛ فأرى من نال شهادة الماجستير، أو افتتح مشروعه الخاص، أو أتقن الوقوف الجانبي بين سيارتين في مساحة ضيقة، وأعلم أنك قد ترى في ذكر شهادة الماجستير هدفًا ساذجًا، لكن هذا لا يُغير من شعوري بالإحباط حين أرى ما يماثلها من الإنجازات.

ففي مثل هذه الحالات… أوه لا، جلس توأمي أمامي! أما بقي في المقهى كله مكان حتى تجلس في مواجهتي؟ المقهى يكاد يكون خاليًا يا رجل! يا للإزعاج. حسنًا، أصبح عليّ الكتابة وأنا أضع في حسباني أن مرآة جاثمة أمامي. أعدت نظري إلى شاشة الحاسوب، غير أنني لاحظت بطرف عيني يده التي تحمل خاتم زواج. متزوج أيضًا؟ يمكنني أن أعدَّه النسخة التي تفضلها والدتي مني، فلم تشغله الدنيا عن تحقيق هدف الزواج الذي رسمه لنفسه قبل أن يبلغ الخامسة والعشرون. تفضل يا عبدالله، الآن يجلس أمامك أحد تلك الأمثلة الناجحة المُزعجة التي لم تُبقِ بابًا للأعذار الواهية من قبيل الظروف القاهرة، أو الانشغال، أو الترقية التي ينتظر الفوز بها حتى يتسنى له الوقت لتحقيق أهداف لم يشرع فيها منذ دوَّنها في مفكرته الجديرة بالشفقة. ما عذرك الآن؟ فهذا الشخص يبدو فعَّالًا في تحقيق أهدافه حتى وهو يحمل وجهك ذاته غير الفعَّال، فما العذر التافه الذي ستُقنع نفسك به الآن؟ وفي خضم جلسة تعذيبي اللاذع لنفسي، طرأت عليَّ فكرة النظر إلى وجه التوأم الناجح؛ فرفعت بصري مباشرةً نحو عينيه العسليتين المصحوبتين بهالات، فإذا هو يُحدِّق فيَّ مباشرةً بلا أي تعبير. شعرت بصاعقة تضرب عمودي الفقري، وبدأت أتصبَّب عرقًا. غُصت بوجهي في شاشة الحاسوب مسرعًا، منتظرًا أن تأتي نسختي المطابقة وتُشعل معي شجارًا، حتى يظفر موظفو المقهى وزبائنه بقصة غريبة تُروى في المجالس، عن المرة التي شهدوا فيها توأمين يُنهشان بعضهما في وسط مقهى. حبست أنفاسي منتظرًا قدومه إلى الطاولة، غير أنني لاحظت بطرف عيني أنه لم يبرح مكانه. حسنًا، سأواصل الكتابة آخذًا بعين الاعتبار أن نسخة مطابقة مني تُحدِّق فيَّ في وسط المقهى، هذا يبدو كم من التوتر كافي لإجباري على إتمام التدوينة، ألا توافق يا عزيزي؟

حسنًا، أين كنت في رحلة التفكير العقيمة؟ نسيت. لِمَ لا تتكلم أنت يا عزيزي؟ ماذا عليَّ أن أفعل للتخلص من هذه الأفكار؟ هل ستبقى هذه التدوينة مجرد ثرثرة مني بينما تبقى أنت صامتًا دون أن تُعطيني أي حلول؟ أرجوك امنحني قليلًا من الراحة من هذه الهواجس المُزعجة. لجأت إلى الكتابة لأنني سمعت كثيرًا من الكلام الإنشائي بأنها الحل للتخلص من الأصوات المُزعجة في رأسي، لكن كل ما فعلته الكتابة هو إخباري بأنني أملك موهبة في استخراج هذه الأصوات ورميها على صفحة ناصعة البياض وتلويثها بأفكاري، حتى تبقى محفوظة أمامي وأتيح لها فرصة إزعاجي وإزعاجكم إلى الأبد، فأين الحل الموعود؟

كفى! لا أقدر على الكتابة أو التفاؤل وأنا أعلم أن هذا الشبيه يُحدِّق فيَّ مستهزئًا بحالي! رفعت بصري نحوه باحثًا عن علامات اختلاف تُريح بالي من نظرية المؤامرة الكونية التي تشغلني عن إتمام التدوينة، فوقع نظري أولًا على قميصه الحامل عبارات مكتوبة باللغة الروسية، فتذكرت أحد أهدافي التي رسمتها قبل سنوات، وهو إتقان الروسية بحلول منتصف العشرينات، حتى يتاح لي قراءة نصوص دوستويفسكي الأصلية دون ترجمة. وكما توقعت يا عزيزي، فإن تقدمي في هذا الهدف مثير للشفقة؛ إذ لم أبلغ بعد المرحلة التي تتيح لي قراءة مكونات علبة ماء بالروسية.

كان مكتوبًا على قميصه:

«Я больной человек… Я злой человек. Непривлекательный я человек.»

حاولت قراءة المكتوب وترجمته، فلم أفهم منه إلا الجزء الأخير الذي بدا لي كأنه يقول “رجل جذاب”، ولا أستغرب ذلك كونه متزوجًا — فيما يبدو في عمري ذاته — فضلًا عن امتلاكه هيئتي نفسها؛ فمن الواضح أنه احتاج إلى تعويض مساوئ هذه الهيئة بصفات جذابة أخرى. أمعقول أنه يستخدم الروسية في الغزل؟ أكان ذلك سيفه السري في معركته؟ احتمال وارد. وفي خضم تفكيري العقيم في قميصه، تذكرت أنه فطن إلى تحديقي المتواصل فيه، فرفعت بصري نحوه مستعدًا لأكون طرفًا في أغرب شجار سيراه زبائن المقهى وموظفوه، بين شاب وقرينه. لما وقعت عيناي على وجهه، أدركت أنه لا يُحدِّق فيَّ، ولا يبدو أنه يكترث لي البتة؛ فكل ما كان يفعله هو التحديق في ساعته الصدئة، كأنه في انتظار أمر مهم. ولما أخذت وقتي في تأمل وجهه، وجدت أكبر فارق بيننا، الذي لم أتمكن من ملاحظته من قبل، وهو مدى اكفهرار وجهه الذي تغشَّته الكآبة؛ فبدا كرجل لا يشاء البقاء هنا، ولا الذهاب إلى مكان آخر، ولا يبتغي شيئًا. بدا عاجزًا عن إيجاد ما يرسم ابتسامة على ذلك الوجه، مهما وضعت أمامه. فاقدٌ لأي غاية، لا يعرف معنى العيش، يموت ببطء مع كل دقة من عقارب الساعة التي يُغرق فيها أحداقه. ما الذي يمكن أن يجلب التعاسة لهذا الشاب؟ أرى أن من الحكمة محاولة معرفة ذلك، كونه يجلب التعاسة لنسخة تبدو أفضل مني، عسى أن أتفادى هذه التعاسة على الأقل. لكن لو كان هو نفسه عاجزًا عن تفاديها، فما الذي يجعلني أثق بأنني قادر على ذلك؟ دعني أعود إلى تدوينتي وأترك أسباب تعاسته، فلديَّ من الأسباب ما يكفيني لأتعامل معها.

حقًا، في مثل هذه الحالات أقول لنفسي إنه يجب عليَّ تجاهل هذه الهواجس المتعلقة بالأهداف والإنجازات التي فُرض عليَّ بلوغها في توقيت رسمته دون أن آخذ في الحسبان أي عوامل أخرى، وإقناع نفسي بأن الحياة تُعاش بتقدير الرحلة والاعتزاز بالنفس وترك المقارنات العقيمة. هل أُردِّد هذه العبارات لأنني مؤمن بها كليًا؟ لا أعتقد صراحةً، لكن في نهاية خط هواجسي الكئيب أكتشف دائمًا أن هذا هو الحل الوحيد إن أردت أن أفرض بعض الديكتاتورية على أصواتي المُزعجة وأُسكتها، عسى أن يرتاح بالي وأُكمل أيامي الشحيحة الإنتاج بسلام. لا أرغب في أن أمضي أيامي رسَّامًا لأهداف أُلزم نفسي بتحقيقها قبل بلوغ سنٍّ بعينه، وكل ما تفعله هذه الأهداف ضرب أعصابي في مقتلها يوميًا وإقناعي بأنني متأخر في تحقيق جدول سخيف لم يُجبرني أحد على اتباعه. هل ستراني بهذا الاكتفاء ذاته بعد أسبوع من الآن يا عزيزي؟ ممكن، ومن الممكن أيضًا أن تراني عائدًا إلى رحلة الهواجس مرةً أخرى حتى يغلبني النوم وأُؤجِّل أهدافي إلى صباح اليوم التالي، لكن اسمح لي على الأقل أن أُمتِّع نفسي بشيء من مشاعر الاكتفاء المزيفة لهذا اليوم، حتى أُتمَّ هذا اليوم العجيب على خير.

لحظة، وقف شبيهي! تناول كوب القهوة وتوجَّه نحو الخارج. هل أزعجه وجود توأم يُحدِّق فيه وفي ساعته وقميصه بينما يحاول التمتع بكوب قهوة باردة؟ لا أستبعد، وأتمنى لو امتلكت الجرأة الكافية لإلقاء السلام عليه وأعتذر له عن تصرفاتي الغريبة. خرج من المقهى ثم توقف لوهلة وأخذ يُحدِّق في ساعته مرةً أخرى، ثم أخرج سيجارة وأشعلها. لو شاءت الأقدار أن يمرَّ والدي بالمقهى في تلك اللحظة ويلمح هذا الغريب يُدخِّن، لأهداه رحلة سريعة إلى غرفة الطوارئ من هول الضرب الذي سيوقعه عليه، ظنًا منه أنه التعيس الآخر الذي يكتب هذه التدوينة. لمحت على ظهر قميصه العبارة الروسية ذاتها التي على واجهته، فقررت أن أحاول ترجمتها بهاتفي طالما أنه لن يستطيع ملاحظتي من هنا. أخرجت هاتفي وصوَّرت العبارة وأرسلتها إلى أعز أصدقائي حاليًا، مُتحدث الذكاء الاصطناعي الشهير، فإذا هو يرسل إليَّ الترجمة العربية للجملة، والتي جاءت معاكسةً كليًا لتصوُّري الأول؛ إذ كانت:

«أنا إنسان مريض… أنا إنسان خبيث. إنني إنسان غير جذاب.»

رفعت بصري نحو شبيهي لأتبيَّن هل يمكن لشخص يلبس قميصًا يحمل هذه العبارة أن يكون فعلًا حاملًا لهذه الصفات، فإذا هو قد رحل…

5 ردود على ““نص الطريق””

  1. الصورة الرمزية لـ Shaima
    Shaima

    تدوينة رائعة، وسنة سعيدة لك مليئة بتحقيق كل ما طمحت لتحقيقه.

    أعلم أيضًا أن الحياة تحمل لنا توقيت مختلف في تحقيق ما طمحنا اليه وسعينا للوصول اليه في توقيت محدد.
    في بعض الأحيان، الحياة تختبر مدى صبرنا بوضح نسخ منا أمامنا لتختبر مدى رغبتنا حقًا بالوصول. أو ربما تلك النسخة منك في المقهى هي أنت في المستقبل، رأيت نفسك وأنت ترتدي ذلك الخاتم لكن تلك النسخة منك كانت قاتمة الملاح على حسب ما قرأت في سطور تدوينتك… ربما أنت ايضًا ستكون النسخة التي ترتدي الخاتم ولكن بوجه سعيد مبتهج. ربما رأيت تلك الملامح القاتمة لتكون أنت صاحب الملامح المبتهجة! (محاولة تخمين)

    1. الصورة الرمزية لـ abdullah.albadrw@gmail.com

      شكرًا على تمنياتك اللطيفة وتحليلك الجميل!

  2. الصورة الرمزية لـ غريب
    غريب

    نص الطريق— لم يكن عنوان يناسب الحالة العمرية والشعورية فقط بل كان يصف الحال مضمونًا،في قرائتي لتدوينتك اخذ سؤال واحد ينقر هذا الرأس المسكين( هل يكتمل الطريق بقطع النصفين؟ وماذا إذا كان الطريق يمثل الربع الأول فقط!) ماذا إن كانت حياتنا لاتتجاوز لفة عقارب الساعة لمرتين فلماذا نحملها كل هذه الأعباء والأحلام وقائمة المهام المتكدسة! هل سأكمل نص الطريق مثلك ام أقف على الرابعة والعشرون؟ لا ادري ولكن الان بعد قرائتي لتدوينتك أعي تمامًا بإن العمر مجرد سويعات وان الحياة تلهو بنا في كل مكان، فلنمض ماتبقى منا بتخفف.
    بارك الله بقلمك

    1. الصورة الرمزية لـ abdullah.albadrw@gmail.com

      أعاننا الله جميعًا في مواجهة هذه الأسئلة

      شكرًا على القراءة!

  3. الصورة الرمزية لـ الحسن التام
    الحسن التام

    ترفق بنفسك توه فصك الدماغي اكتمل اليوم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *