ما مشروبك المبتغى هذه المرة يا عزيزي؟
أقرّ بأني لم أمنحك حرية اختيار مشروبك في المرات السابقة التي جلسنا فيها متقابلين على هذه الطاولة، أو ما أُلقّبه بالتدوينة، وأغرقتك بثرثرتي حول تجاربي في وسط مدينة أوروبية، تجارب لا أعي إذا كنت مهتم لها أم لا، لكنني ما زلت أثرثر عنها على أي حال.
أما الآن فأحسبني في مزاج أفضل، فها نحن جالسان متقابلان على طاولة مقهى في وسط (براغ 4)، أرتشف أنا كوب الأمريكانو الدافئ، وترتشف أنت كوب ال… المعذرة، كوبًا من مشروبك المفضل الذي لن أختاره لك. نتدفأ من برودة (براغ) القارسة، وأثرثر عليك مرة أخرى بتجاربي الشيقة -بنظري- في وسط مدينة أوروبية.
بدأت مغامرتي في (براغ) بالانتظار أمام باب الفندق -الذي اتضح لاحقًا أنه شقق مفروشة- لأن الاستقبال غير فعّال طوال اليوم، ولسوء حظي لم يكن وصولي في نطاق ساعات عملهم. قضيت ربع ساعة قاعدًا فوق حقائبي أمام الباب الخارجي، مُحدّقًا في كل كائن يمرّ أمامي، مستعدًا للقفز على أي امرئ تسوّل له نفسه لمس حقائبي، لأن والدتي أقنعتني بأن الشعب الأوروبي بأكمله يتربص بحقائبي وهاتفي وحزام بنطالي.
وبعد طول انتظار، فتحت موظفة الاستقبال الباب أخيرًا، وألقت عليّ عبارات الترحيب المعتادة، تبعها اعتذارات متتالية عن التأخر، لكنني لم أكترث بالتأخير بقدر اطمئناني أخيرًا على سلامة حقائبي، التي لا نظير لها في القارة العجوز. وكانت صدمتي الأولى حين ناولتني الموظفة مفتاحين، فسألتها: لِمَ المفتاح الثاني؟
فأجابتني أنه لباب المبنى الخارجي، وأنه يُفضَّل أن أقفله بعد عودتي إلى السكن، لأنه سهل الركل والفتح. رددت عليها بتلقائيتي المعتادة، فقلت: “أوه أوك”، كما أفعل حين لا تكون الأمور “أوك” في داخلي، فكل ما كنت أفكر فيه في خاطري بعد سماع هذه الطامة هو: “يا لطيف”. سحبت حقائبي متجهًا إلى الغرفة، متفائلًا بأن هذه ستكون صدمتي الوحيدة، لكن اتضح لي سريعًا عكس ذلك حين عبرت الباب واستوعبت أني حجزت شقة كاملة بصالة وحمّامين وغرفة ضيوف -التي تقلّ الحاجة إليها بالنسبة إلى نزيل واحد-
أما الصاعقة فكانت أن النُّزل لا يملك تكييفًا، فإن ظننتَ أن برودة (براغ) تكفي لينام ذلك المعتلّ اللاهث وراء البرد، الجالس أمامك على الطاولة، فظنك في غير محله. لجأت في النهاية إلى النوم موجِّهًا إلى وجهي طوال الوقت المروحةَ القديمة التي أعطتنيها الموظفة. ألقيت بنفسي على السرير، مكتفيًا بما لقيت من صدمات، ظانًّا أنها لا تزيد على هذا القدر اليوم، لكنني حوّلت بصري إلى الجدار المقابل للسرير، فرأيت الغرابة متمثلة في لوحة معلقة لكهلٍ بجانبه كلبٌ، ينظران إلى بحيرة. كثيرون قد يبادرون إلى تحليل لوحة كهذه فنيًا وفلسفيًا لاستخراج معانٍ عميقة مزيفة لم تخطر حتى على بال الرسام، لكنني قررت المبادرة بطرح الأسئلة المهمة فعلًا. وأولها، مدى واقعية جلوس الكلب وتحديقه في البحيرة كأنه يحمل القدر نفسه من الوعي الذي لدى الكهل. أهي محاولة سقيمة لتجسيد رواية (مزرعة الحيوان) وفكرة أن الحيوان لا يختلف عن البشر؟ وما معنى اختيار الكلب أصلًا؟ فاختيار أي حيوان آخر غريب كان سيسهّل جذب انتباهي نحو اللوحة بدلًا من هذا الخيار الممل. وما الفكرة من وضع كهل وكلب جنبًا إلى جنب يحدقان في بحيرة؟ هل يحاول الفنان أن يضعني في دور الكلب الثاني إلى جانبهما، محدقًا في البحيرة؟! جرح السؤال الأخير كبريائي، ثم أثار ضجري، فأغمضت عينيّ، وسمحت لصوت المروحة القديمة الموجّهة إلى رأسي بأن يستولي على تفكيري بدلًا من تساؤلات عقيمة حول هذه اللوحة الغريبة، فخلدت إلى النوم.
الحديقة البهية، والآنسة الأشد بهاءً:


في اليوم التالي، كنت متوجهًا نحو دار الأوبرا، مستخدمًا ساقيّ كوسيلةَ المواصلات الرئيسية، رغم أن الدار تبعد عن مسكني ساعة مشيًا، فقد وجدت مناظر (براغ) أبدع من أن أستقل سيارة أجرة. كنت أمشي في منطقة (براغ 1) واضعًا سماعاتي، مستمعًا إلى تشكيلة من أغاني CAS وThe Strokes (وعذرًا، لن أكتب الاسم الكامل للفرقة الأولى، لأن والدتي وصّتني بالامتناع عن قول أي كلام فاحش أمام الغرباء). وجدت في منتصف رحلتي بابًا غريبًا يدخل منه بعض السياح، فتفقدت المكان على الخرائط، فإذا هو حديقة شاسعة، وبدت خيارًا جيدًا لاستغلال الوقت حتى يحين موعد حفلة الأوبرا الذي بقي على حلوله الكثير.
دخلت الحديقة فوجدت بديع صنع الله متجليًا في شجرها وأزهارها، ثم شهدت صنيع خلقه في جمال تصميم حجرها وخشبها، فحمدته سبحانه على أني قررت التنزه فيها، فغدت هذه الوجهة إحدى أروع وجهات الرحلة. بدأت أتنزه في الحديقة وأصعد سلالمها الصخرية المزخرفة، حتى بلغت شرفة هي أعلى قمة فيها، فأصابني الذهول من فتنة مشهد المدينة الذي رأيته أمامي، وترونه أمامكم في الصورة. تصلّبت مكاني وعيناي تبحران في منظر(براغ) الجميل بعمرانها وسمائها، متفكرًا في أن جودة الكاميرا التي سأحاول بها التقاط هذا المنظر البديع لا أهمية لها، فلن تقدر أي كاميرا على تصوير قدر الجمال الذي تلتقطه أحداقي الآن. وما تمنيت في تلك اللحظة سوى أن أختزن ما تراه عيناي في ذاكرتي بسهولة تخزين الصور في القرص، فأستخرجها وأتلذذ بها متى شئت.
أطلت الوقوف والتصوير أمام المنظر حتى لاحظت أن عليّ أن أبدأ بالتحرك حتى لا يفوتني موعد الأوبرا. وبينما كنت أنزل السلالم نحو المخرج، لفتت نظري غرفة يؤدي إليها درجان ملتفان في شكل دائري حتى بابها، فإذا بامرأة تبدو في الخمسين من عمرها تخرج منها وتدعوني إلى الدخول وإلقاء نظرة على معرضها الفني المتواضع. صعقني شعور غريب لم أتبيّن مصدره حين رأيتها، لكنني تجاهلته ودخلت المعرض لأتفقده. وجدتها غرفة متواضعة الحجم، تملأ جدرانها رسوم بسيطة جميلة مرسومة بالفحم، لعمران ومبانٍ تاريخية من (براغ) ومدن أخرى.


كان في الغرفة رجل أوروبي يبدو في الثلاثينات من عمره، يطوف حول جدرانها ويتأمل الرسمات ويتفحصها. كان الرجل يسأل المرأة، بين جلسات تأمله، عما ألهمها لرسم تلك الرسمة بالتحديد، إضافةً إلى أسئلة أخرى عن تقنيات الرسم التي استُخدمت فيها. بدأت أطوف بنفسي حول المعرض وأتفقد الرسمات المعلقة على جدرانه، أشدّ مما أتفقد مكونات قالب شوكولاتة سيدخل فم أختي الصغيرة المتحسسة من الشوفان، عساي أستخرج أسئلة جذابة أوجّهها إلى المرأة التي لم تدعني إلى معرضها لأكتفي بدورة صامتة حوله ثم أعود إلى مطرحي. تمعنت في عدة رسمات، أحدها لشوارع مدينة (إدنبرة)، وأخرى عن نهر (الدانوب) في (فيينا)، وثالثة عن قلعة (براغ)، فلم أقدر على استخراج سؤال واحد أُرضي به خاطر هذه المسكينة. وقفت عند رسمة لم أتبيّن ماهيتها للحظة وكدت أتجاوزها، لكنني حين عدت وركّزت فيها أدركت أنها مطابقة للوحة المعلقة أمام سريري في غرفة الفندق!
كانت الرسمة تصوّر كهلًا بجانبه كلب، ينظران كلاهما نحو البحيرة، عدا أن الكلب بدا مهمّشًا وغير واضح فيها مقارنةً باللوحة التي في الفندق. استغربت اختيارها تجسيد هذه اللوحة بالذات، خصوصًا أن معرضها يوحي بتفضيلها رسم العمران والمعالم الشهيرة، فلِمَ قد تقرر رسم اللوحة نفسها التي عُلقت أمام سرير الفندق الذي أسكنه؟ أخرجت هاتفي وشرعت في البحث عن اللوحة، لعلها تكون شهيرة، فتهوّن عليّ هذا الموقف الغريب المريب. بحثت في عدة صفحات من اللوحات والرسومات على (قوقل) فلم أجد شيئًا مشابهًا، فازددت حيرة واشتباهًا في الوضع الذي أنا فيه. بدأت أفكر في أي تفسير لما يحصل، حين قاطعت الفنانة تفكيري وسألتني: هل أعجبتك الرسمة؟
اكتفيت بقول إنها أعجبتني، فمصارحتها بسبب تحديقي في الرسمة ستظهرني كالمجنون أمامها. حدّقت في وجهها وأنا أعبّر عن إعجابي بالمعرض، فإذا بي أفهم الشعور الغريب الذي صعقني قبل لحظات حين لمحت وجهها للمرة الأولى، واستوعبت أن تفاصيل وجهها فائقة الجمال. كان وجهها مريحًا إلى حد بعيد، بشرة بيضاء صافية، وعينان زرقاوان شغوفتان، تتبعهما في كل لحظة ابتسامة نقية. كان شغفها واضحًا في أسلوبها وطريقة حديثها، وجاهدت نفسي في التفكير لأعرف أهو السبب وراء جمالها الآسر. كان الحديث معها عذبًا، في أقصى ما يبلغه الحديث من عذوبة، وكان في وصفها من الشغف أقصى ما تبلغه النفس منه، وعجزت عن معرفة أكان سبب انشراح صدري جمالها الفعلي أم شغفها وإبداعها الواضحين اللذين زادا جمالها بهاءً، فملآ صدري ارتياحًا وطمأنينة. كان وجهها مألوفًا بشدة، ولم أدرك وقتها مصدر الشبه، لكنني تذكرت بعدها أنها تشبه خليطًا من الممثلة (فيبي) في مسلسل (فريندز) والممثلة الأسترالية (كيت بلانشيت).
بعد حديث دام بضع دقائق -تمنيت لو امتد ساعات)-اضطررت إلى المغادرة للذهاب إلى دار الأوبرا، فودعتها واتجهت نحو الباب. وفي طريقي إلى الخارج، ألقيت نظرة سريعة على لوحة الكهل والكلب والبحيرة، فإذا بي لا أرى أي كلب من الأساس، وكان الكهل وحيدًا يحدّق في البحيرة. استغربت وتساءلت أكنت أتخيل الكلب من قبل، لكنني لم أعر الهاجس كثير من الاهتمام، واتجهت نحو دار الأوبرا.
دار الأوبرا:


بعد القليل من الركض والكثير من تلف الأعصاب في شوارع (براغ) الباردة -بالنسبة إلى شاب من جدة- وصلت إلى دار الأوبرا قبل بداية الحفل بعشر دقائق. فأنا دائمًا، لسبب ما، أتوتر حيال الوصول في الوقت المحدد، لكنني في نهاية المطاف أصل قبل الميعاد بمدة تسمح لي بتأمل المكان من حولي، وفي هذه الحالة كان المكان جديرًا بالتأمل.
كانت دار الأوبرا في (براغ) فاتنة كما توقعت، بل أبهى من ذلك، فما إن دخلت ونظرت حولي حتى أسرتني الزخارف الذهبية والسجاد الأحمر، وأخذني الديكور إلى قصة أوروبية كلاسيكية تنتهي بعثور البطل على زوجته المستقبلية مصادفةً في المقعد المجاور له. ثم قطع خيالاتي مشهد لفت نظري، وهو إدراكي مدى أناقة باقي الحضور مقارنةً بمظهري، تحت قطع القماش التي ظننت أنها ستكفي لمساعدتي على الاندماج بينهم، بل ترفع مستوى أناقتي حتى أتجاوزهم. لكن الحقيقة أن حتى مجموعة المراهقين، الذين كان من الواضح أنهم في رحلة مدرسية، كانوا يبدون كأنهم حاضرون لحفل زفاف لا لحفل أوبرا. كانت النساء كلهن يرتدين فساتين فخمة، بعضها فاقع اللون وبعضها أقرب إلى الغامق، وبعد شيء من التركيز بدا لي أن اختيار اللون يعكس أفعال صاحبة الفستان وطبيعة شخصيتها. وكان الرجال يرتدون بدلًا رسمية أكاد أقسم أنها كُويت أربع مرات قبل ارتدائها، وأن إصابتها بأي بقعة تعني أن تنتظر البدلة الحرق لا الغسيل.
تأقلمت سريعًا مع تواضع زيي، وشرعت في البحث عن مقعدي. تجاوزت الموظفات الأنيقات المسؤولات عن مسح التذاكر وإرشاد الحضور إلى المقاعد، فبدأت إحداهن تسير أمامي وتصحبني نحو مقعدي، وأخبرتني أثناء سيرنا أن بإمكاني ترك معطفي أو أي مقتنيات مهمة في المكتب على اليسار. فشكرتها دون قبول العرض، مفكرًا أن معطفي ليس من الغلاء بحيث يشفع لي تركه في مكان ما، وأن حقيبتي، التي لا تحمل إلا شاحن الهاتف وكتاب (المحاكمة) لكافكا مع (النظرات) للمنفلوطي، ليست هدفًا جذابًا لسارق اقتحم دار الأوبرا في (براغ) باحثًا عن مقتنيات ثمينة، بغض النظر عن غرابة المزيج الأدبي في الحقيبة.
أكملنا السير حتى وصلنا إلى باب خشبي عتيق بجانبه لوحة كُتب عليها (604). فتحت الموظفة الباب لتكشف عن مقصورة مساحتها مترين في ثلاثة، تتوسطها أربعة مقاعد قطنية حمراء، يجلس على اثنين منها زوجان يبدو كل منهما في الستين من عمره. ولسوء حظي كان المقعد المجاور لي فارغًا، لا تشغله زوجة مستقبلية سيصادفها البطل. التفت الزوجان نحوي عند عتبة الباب، بنظرة رُسمت على وجهيهما تكاد تقول: “يا ليل”. ابتسمت الموظفة في وجهي ابتسامة توحي بعلمها أنها ستكون تجربة غير مريحة لي، وتمنّت لي أن أستمتع قبل أن تغلق الباب ورائي.
علّقت معطفي وحقيبتي، ثم جلست على مقعدي لأدرك مدى حماقتي حين حجزت ولم أنتبه إلى أني حجزت في مقصورة بدلًا من المقاعد السفلية أمام المسرح. احتفظت بعلبة الماء في يدي وجلست أنتظر بداية العرض، داعيًا مع كل دقيقة تمر أن يأتي شخص فيجلس بجانبي وينقذني من الجلوس لعرض أوبرا كامل إلى جانب زوجين في مقصورة مغلقة. للأسف، بدأ العرض دون أن تتحقق دعواتي.
تقبّلت حتفي، وشرعت في متابعة العرض الذي بدأ بخروج ممثلة وممثل يؤديان دور إله إغريقي وابنته، وشرعا في الغناء بصوت جهوري خلاب. استمر المغنيان في الغناء وقتًا طويلًا، أغنية تلو أخرى، وكانت دهشتي بلياقتهما تزداد مع كل أغنية. حقًا، كيف يقدران على الغناء بهذا الصوت المبهر عشرات الدقائق، بينما أجاهد نفسي لمحاربة النشاز لعشر ثوانٍ؟ يجرح السؤال كبريائي كلما فكرت فيه.
كنت كل بضع لحظات أفتح علبة الماء التي في يدي، لأن ذاكرتي تذكرني كل دقيقتين بوجوب إتمام هدفي لشرب ثلاثة لترات من الماء يوميًا، فإذا بالعلبة البلاستيكية تصدر صوتًا مزعجًا يجبرني على النظر إلى الزوجين للتأكد من أن هدفي الصحي لم يؤثر في تجربتهما السمعية للعرض، وكنت في كل مرة لا أرى منهما ردة فعل فأحمد ربي، وأحاول الشرب بانتباه أكبر في المرة القادمة.
شدّت انتباهي فتاة جالسة في المقاعد السفلية، فمقعدي الملعون في المقصورة العالية يمكّنني من رؤية العرض مع الحضور كاملًا. كانت الفتاة تهمل أغلب العرض وتدفن رأسها في كتاب حملته معها. استفزني تصرفها بشدة كلما حوّلت نظري من العرض إلى جهتها، فما الجدوى من حضور عرض أوبرا بينما انتباهك منصرف إلى شيء آخر؟! كان تصرفًا وقحًا من جانبها.
انتهى العرض بعد ساعتين متواصلتين من الغناء الخلاب والمؤثرات البصرية الأنيقة، والسرد القصصي الذي كان واضحًا بما يكفي ليرغمني على التركيز رغم عدم فهمي للغته. وقف الحضور جميعًا لتحية الفنانين تحية مستحقة، وشملت التحية الزوجين اللذين جاهدت نفسي ألا أزعجهما. حوّلت نظري إلى الفتاة المنشغلة بكتابها، فإذا بمقعدها فارغ.
أخذت حقيبتي التي تعجّ بالمقتنيات التي لا تستحق السرقة، وأخذت سترتي، جارًّا ساقيّ معي نحو مخرج دار الأوبرا، متجاوزًا جميع الحضور الذين وقفوا في ردهة الدار للدردشة. حددت موقع شقتي ذات اللوحة الغريبة على الخرائط، وتوجهت إليها لآخذ قسطًا من الراحة قبل آخر يوم لي في (براغ).
الفطور الأخير:
أشرقت شمس آخر يوم لي في (براغ)، واللوحة تحدّق في وجهي هذه المرة، فشرعت أحدّق فيها بالمقابل، وتهجس في نفسي ظنون بأن اللوحة اختلفت عن أول يوم لي في الشقة، فلم أعد أرى فيها إلا البحيرة، وأكاد أقسم أنها كانت تضم كهلًا وكلبًا بجانبه عندما تمعنتها أول مرة. هل كنت أتخيل كل تلك التفاصيل؟ ليس هذا احتمالًا غريبًا عليّ، لكنني متأكد من التفاصيل التي رأيتها في اللوحة، وكان ذلك سبب تساؤلاتي العقيمة في بداية التدوينة. أيُعقل أن طاقم التنظيف بدّل اللوحة بينما كنت في الخارج؟ يبدو احتمالًا سخيفًا، إذ لم يسمح لهم كسلهم بإزالة المنشفة الملقاة على الأرض، فكيف يغيّرون لوحة؟ قررت أخيرًا ألا أضيّع ساعاتي الأخيرة في (براغ) في الهواجس حول أمر سخيف، فتقبّلت شكل اللوحة الحالي ومضمونها، وقد بات أجمل وأنقى، وصار كل التركيز على البحيرة دون مشتتات أخرى.
جمعت حقائبي ونزلت للمغادرة، فإذا بموظفة الاستقبال وبقية طاقم المبنى ينتظرونني في الردهة لتوديعي، وأدركت حينها مغزى سؤالهم المسبق عن موعد رحيلي؛ فإما أنها ممارسة يقومون بها مع كل الضيوف، أو أنها ممارسة خُصصت لي احتفاءً بوجهي المشرق. فضّلت التفسير الأخير لتأثيره الإيجابي على غروري. غادرت الفندق وهم ورائي مبتسمون ويلوّحون كأن فردًا من عائلتهم غادر، ورغم الشعور الدافئ الذي خلّفه توديعهم في قلبي، فإن حرارة وداعهم أوحت لي بأني السائح الوحيد الذي رأوه هذا الأسبوع.
تناولت (فطوري الأخير)، ثم جلست أكتب بعض الملاحظات لهذه المدونة. وكتقييم عام، وجدت (براغ) خلابة للغاية؛ فالمناظر الجميلة والمقاهي الرائعة كثيرة ومنتشرة في أرجاء المدينة، بخلاف تجربتي في (فيينا). استمتعت بالنكهة التاريخية التي تحملها المدينة، وبخاصة (البلدة القديمة) وعمرانها البديع، فكنت أشعر كأني أمشي في بلدة من القرن الخامس عشر كلما خرجت وقرصت برودتها المنعشة وجنتيّ. وأُعجبت أيضًا بمتاجر الألبومات الكلاسيكية، التي أجبرتني على اقتناء عدة ألبومات لـCAS وThe Strokes، مع أنني لا أملك مشغّل ألبومات أصلًا.
أما تجربة العزلة فوجدتها مريحة للقلب، مهذِّبة للنفس، مهدِّئة للبال. وكان من المنعش سماع صوتي والتحدث إلى نفسي دون مقاطعة، مع أني أدركت بعد قليل أني لا أملك الكثير لأقوله لنفسي. ورغم أني وجدت العزلة مريحة بعض الوقت، فلا أظنني قادرًا على تحملها للأبد، فثرثرتي لا بد أن تصل إلى مسامع شخص آخر عاجلًا أم آجلًا، ولعل هذه الغاية والوظيفة قد شغلتها أنت يا عزيزي القارئ.
أكتفي بهذا القدر من الثرثرة لهذه التدوينة لأختم بها جلستنا، ولكن لا تقلق يا عزيزي، فلن تكون آخر جلسة بيننا، وسأكتفي الآن بانتظارك حتى تنهي مشروبك قبل المغادرة (:

اترك تعليقاً